مَا حُكْمُ الأُضْحِيَّةِ؟

Arabic Text By Jun 23, 2016

مَا حُكْمُ الأُضْحِيَّةِ؟

اعْلَمْ رَحِمَكَ اللهُ بِتَوْفِيْقِهِ أَنَّ الأُضْحِيَّةَ هُوَ مَا ذُبِحَ مِنَ النَّعَمِ تَقَرُّبًا إِلَى الله يَوْم الْعِيد وَأَيَّام التَّشْرِيقِ الثَّلَاثَةِ.

وَالْأَصْلُ فِيهَا قَبْلَ الْإِجْمَاعِ قَوْلُه تَعَالَى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ من شَعَائِر اللهِ﴾ الْآيَةَ، وَقَولُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ وَغيْرُ ذَلِكَ.

وَهِيَ سُنَّةٌ مُؤَكّدَةٌ عِنْدَ الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ وَالأَكْثَرِيْنَ إِنْ لَم تَكُنْ مَنْذُورَةً. وَذَهَبَ مَالِكٌ رَحمَهُ اللهُ إِلَى وُجُوبِهَا، وَقَالَ أَبُو حَنِيْفَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ هِيَ وَاجِبَةٌ عَلَى الْمُقِيْمِ بِالبَلَدِ الَّذِي يَمْلِكُ النِّصَابَ كَمائَتَيْ دِرهَمٍ فِضَّةً. وَهِيَ لَا تُعْمَلُ عَن مَيِّتٍ.

هَل يَصِحُّ النَّذْرُ فِي الأُضْحِيَّةِ؟

نَعَم، فَالأُضْحِيَّةُ إِمَّا مَنْذُوْرَةٌ أَوْ مُتَطَوَّعٌ بِهَا:

1- فَالْمَنْذُوْرَة تَخْرُجُ مِن مِلْكِ النَّاذِرِ بِالنَّذْرِ وَلَا يَجُوْزُ لَهُ أَن يَأْكُل مِنْهَا شَيْئا، فَلَو أَتْلَفَهَا لَزِمَهُ ضَمَانهَا، وَإِذَا نَحْرُهَا لَزِمَهُ التَّصَدُّق بِلَحْمِهَا وَأَجْزَائِهَا عَلَى الْمُسْتَحِقِّينَ.

2- وَأمَّا التَطَوُّعُ بها فَلَهُ أن يَأْكُل مِنها اسْتِحْبَابًا لَا وُجُوبًا وَيُهْدِي مِنْهَا حتَى الأغنِياءَ إِنْ شَاءَ.

هَلْ لِلْأُضْحِيَّةِ وَقْتٌ أَوْ مَكَانٌ مُعَيَّنٌ؟

يَدْخُلُ وَقْتُ الأُضحِيّةِ الْمُتَطَوَّعِ بِهَا والْمَنْذُوةِ إذا مَضَى قَدْرُ صَلاةِ العِيدِ وخُطْبَتَينِ مُعْتَدِلَتَين بَعدَ طُلوع الشَمسِ يَومَ النَّحْرِ سَواءٌ صَلَّى الإمامُ أم لم يُصِلِّ وسَواءٌ صَلَّى الْمُضَحِّي أم لم يُصَلِّ وَيَبْقَى الوَقْتُ إلى غُروبِ الشَمْسِ مِن ءاخِرِ أيامِ التَشْرِيقِ أي الثالثَ عَشَرَ مِن ذِي الحُجَّة، ويَجوزُ في اللَّيْلِ لَكِنَّهُ مَكْرُوهٌ خَشْيَةَ أَنْ يُخْطِئَ مَوْضِعَ الذَّبْحِ أَو يُصِيْبَ نَفْسَهُ أَوْ يتَأَخَّرَ بِتَفْرِيْقِ اللَّحْمِ طَرِيًّا، وإنْ كان حَاجًّا فالأفضَلُ أن يَذْبَحَ عَقِيبَ رَمْيِ جَمْرة العَقَبة قبلَ الحَلْق.

وَأَمَّا مَحَلُّ التَّضْحِيَة فَبَلَدُ الْمُضَحِّي، وَفِي جَوَازِ نَقْلِهَا إلى بَلَدٍ ءَاخَرَ وَجْهَانِ.

مَا الْمُجْزِئُ فِيْهَا إِذَا ذُبِحَ؟

1- الجَذَعُ مِنَ الضَأْنِ (أَيِ الخَرُوْفِ) وَهُوَ مَا لَهُ سَنَةٌ عَلَى الأَصَحِّ أو أَسْقَطَ مُقَدَّمَ أسنَانهِ، وقيل: لَهُ سِتّةُ أَشْهُرٍ، وقيلَ: ثَمانيةٌ.

2- الثَّنِيُّ مِنَ الْمَعزِ وَهُوَ مَا لَهُ سَنَتَانِ ودَخَل فِي الثَّالِثَةِ، وَقِيلَ: سَنَةٌ. ويُجْزِئُ ما فَوْقَ الجَذَعِ والثَنِيِّ وَهُوَ أَفْضَلُ، وَيُجْزِئُ الذَكَرُ وَالأُنْثَى، وَلَا يُجْزِئ فِيهِمَا مَعِيبٌ بِعَيْبٍ يُؤَثِّرُ في نَقْصِ اللَّحْمِ تَأثِيرًا ظاهرًا كالعَرْجاءِ الظاهِرِ عَرَجُها أو العَوْرَاءِ ولا يُجْزِئُ مَن قُطِعَ مِن أُذَنهِ جُزءٌ ظاهِرٌ. وَيُجْزِئُ الخَصِيُّ وذاهِبُ القَرْنِ ومَكْسُورُ القَرْنِ والتي لا أَسْنَانَ لها إنْ لم تكُن هَزُلَتْ

3- مِنَ البَقَرِ مَا لَهُ سَنَتانِ.

4- مِنَ الإِبلِ مَا لَهُ خَمْسُ سِنِينَ كَامِلَة.

هَل تُجْزِئُ الأُضْحِيَّةُ عَن أَكْثَرَ مِن وَاحِدٍ؟ ومَا هُوَ الأَفْضَلُ فِيْهَا؟

تُجْزِئ الشَّاةُ عَن شَخْصٍ وَاحِدٍ، والبَدَنةُ مِنَ الإِبِلِ عَن سَبْعَةِ أَفْرادٍ وَالبَقَرةُ عَن سَبْعَةٍ، لَكِنِ الشَّاةُ الوَاحِدَةُ عَنِ الفَرْدِ الوَاحِدِ أَفْضَلُ مِنَ الْمُشَارَكَةِ بِسُبُعِ بَدَنَةٍ أَوْ سُبُعِ بَقَرةٍ.

وَأَفْضَلُ الأُضْحِيّةِ أَحْسَنُها وأَسمنُها وأَطْيَبُها وأَكْمَلُها. وَالأَبْيَضُ أَفْضَلُ مِنَ الأَغْبَرِ (أَيِ الَّذِي يَعْلُو بَياضَهُ حُمْرَةٌ)، وَالأَغْبَرُ أَفْضَلُ مِنَ الأَبْلَقِ (أَيِ الَّذِي بَعْضُهُ أَبْيَضُ وَبَعْضُهُ أَسْوَدُ)، وَالأَبْلَقُ أَفْضَلُ مِنَ الأَسْوَدِ.

كَيْفِيَّةُ الذَّبْحِ: شُرُوْطُهُ وَءَادَابُهُ؟

أَوَّلًا: لَو كَانَ عَلَيْهَا صُوْفٌ لَا مَنْفَعةَ لَها فِي جَزّهِ وَلَا ضَررَ عَلَيْهَا فِي تَرْكهِ لَم يَجُزْ لَهُ جَزُّهُ، وَأَمَّا إِنْ كَانَ عَلَيْهَا فِي بَقائِه ضَرَرٌ جَازَ لَهُ جَزُّهُ ويَنْتَفِعُ بهِ، لَكِنْ لَو تَصَدَّقَ بِهِ كَانَ أَفْضَلَ. وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم ضَحَّى بِكَبِشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ ذَبَحَهُما بِيَدِه الشَرِيفَةِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم وسَمَّى وكَبَّرَ.

ويُسْتَحَبُ عِنْد الذَّبْحِ خَمْسَةُ أَشْيَاء: التَّسْمِيَةُ، وَالصَّلَاة علَى النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، واسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ بِالذَّبِيْحَةِ، وَالتَّكْبِيرُ، وَالدُّعَاء بِالْقبُولِ، فيَقُول: بِسم اللهِ واللهُ أكبَرُ وصلّى الله علَى رسولِه مُحَمّدٍ وعلَى ءَالِهِ وَصَحْبِه وَسَلَّم، اللهُمَّ مِنْكَ وإِليكَ فتَقَبَّلْ مِنّي، أو يَقُول تَقَبَّلْ مِن فُلانٍ صاحِبِها إنْ كانَ يَذْبَحُ عَن غَيْرِهِ. والسُّنّة في البَقَر والغَنَم الذَّبْحُ مُضْجَعةً علَى جَنْبِها الأيْسَرِ مُسْتَقْبِلةً القِبْلةَ. ثُمَّ الإِبَانَةُ الَّتِي تُكْرَهُ فِي الأُضْحِيَّةِ هِيَ قَطْعُ الرَّأْسِ دُفْعَةً وَاحِدَةً.

ويُسْتَحَبُّ للرَّجُلِ أن يَتَوَلَّى ذَبْحَ أُضْحِيّتهِ بِنَفْسهِ ويُسْتَحَبُ للمرأةِ أن تَسْتَنِيبَ رَجُلاً يَذْبَحُ عَنها، ويَنْوِي الشخصُ عِندَ ذَبْحِ الأُضْحِيّة المنْذُورَة أنهُ ذَبِيحةٌ عن أُضْحِيّتِهِ المنذُورةِ، وإن كان تَطَوُّعًا نَوَى التَقَرُّبَ بها إلى الله تعالى. وَلَوِ اسْتَنَابَ في ذَبْحِ أُضْحِيَّتِهِ جازَ، ويُسْتَحَبُ أن يَحْضُرَ صاحِبُها عِندَ الذَبْحِ، فَقَدْ رَوَى البَيْهَقِيُّ عَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ أَنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِفَاطِمةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: “قُوْمِي إلى أُضْحِيَّتِك فاشْهَدِيها فإنّهُ بأَوَّلِ قَطْرَةٍ مِن دَمِها يُغْفَرُ لَكِ ما سَلَفَ مِن ذَنْبِكِ”.

والأفضَلُ أن يَكُون مَن يَنُوبُ عَنه في الذَّبْحِ مُسْلِمًا ذَكَرًا، فإنِ اسْتَنابَ كافِرًا كِتَابِيًّا أو امرأةً صَحَّ لأنَّهُما مِن أهل الذكاةِ، ويَنْوِي صاحِبُ الأُضْحِيّة عند دَفْعِها أي تَسْلِيمِها إلى وَكِيلِه أو عِنْدَ ذَبْحِ الوَكِيلِ لها، فإنْ فَوَّضَ صاحبُ الأُضْحِيّة إلى الوَكِيلِ جَازَ إِنْ كَانَ مُسْلِمًا مُمَيِّزًا.

كَيْفَ تُوَزَّعُ الأُضْحِيَّةُ الْمَنْذُوْرَةُ وَالْمُتَطَوَّعُ بِهَا؟

أمَّا الْمَنْذُوْرَةُ فَيَلْزَمُ التَّصَدُّقُ بِهَا عَلَى الْمُسْتَحِقِّينَ بَعْدَ الذَّبحِ كَمَا مَرَّ، وَأَمَّا الْمُتَطَوَّعُ بِهَا فَتُوَزَّعُ أَثْلَاثًا: ثُلُثًا لِلْفُقَرَاءِ وَثُلُثًا لِأَهْلِهِ وَثُلُثًا هَدِيَّةً، فَمِنَ الهَدِيَّةِ يُعْطَى الأَغْنِيَاءُ. وَلَيْسَ تَوْزِيْعُهَا بِحَيْثُ يُشْتَرَطُ فِي كُلِّ ثُلُثٍ أَجْزَاءٌ مُعَيَّنَةٌ، وَيَدْخُلُ فِيْ الْمُوَزَّعِ الرَّأْسُ وَالمعْلَاقُ.

ثُمَّ لَوْ دُفِعَتْ لِفَقِيْرٍ وَاحِدٍ يَجُوزُ، وَلَو كَانَ الَّذِي يَأْخُذُ مِنْهَا مِن أَهْلِ البَيْتِ – أَيْ مَنْسُوْبًا – يَجُوْزُ، لَكِنْ لَا يَجُوْزُ تَمْلِيْكُهَا لِلْفُقَرَاءِ قَبْلَ ذَبْحِهَا. وَكَمَا أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَذَبْحَ الْمُضَحِّي بِنَفْسِهِ فَإِنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يُوَزِّعَهَا بِنَفْسِهِ أَيْضًا، فَالَّذِي يُرِيْدُ تَوْكِيْلَ شَخْصٍ ثِقَةٍ – كَالجَمْعِيَّةِ – بِتَوْزِيْعِ الأَضَاحِيِّ عَلَى الْمُسْتَحِقِّيْنَ يَقُولُ لِمَنْ يَثِقُ بِهِ: “خُذُوا هَذِهِ الأَضَاحِيَّ وَوَزِّعُوْهَا عَلَى الفُقَرَاءِ” مَثَلًا.

اللَّهُمَّ عَلِّمْنَا مَا يَنْفَعُنَا وَانْفَعْنَا بِمَا عَلّمْتَنَا وَزِدْنَا اللَّهُمَّ يَا رَبِّ عِلْمًا.

نَسْأَلُ اللهَ العَظِيمَ رَبَّ العَرْشِ العَظِيمِ أَنْ يَجْعَلَنَا مِنَ العَامِلِيْنَ بِالنُّسُكِ الشَّرِيْفَةِ وَأَنْ يَرْزُقَنَا حَجَّ البَيْتِ الحَرَامِ وَزِيَارَةَ حَبِيبِهِ مُحَمَّدٍ صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم وَأَنْ يَجْعَلَنَا مِنَ التَّائِبِينَ الْمُتَّقِينَ وَاَلهادِينَ الْمُهْتَدِينَ إنهُ سَمِيعٌ مُجِيبٌ، وَالحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِيْنَ.