• Narrow screen resolution
  • Wide screen resolution
  • Wide screen resolution
  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size
  • default color
  • red color
  • yellow color
  • orange color
وأَصْلُ القَدَرِ سِرُّ اللهِ تعالى في خَلقِه PDF Print Email
Written by Administrator   
Thursday, 11 July 2013 17:00

وأَصْلُ القَدَرِ سِرُّ اللهِ تعالى في خَلقِه

قال شيخنا رحمه الله

378-فصل: "*في القَدَر*" قولُ المؤلف أبي جعفر "*وأَصْلُ القَدَرِ سِرُّ اللهِ تعالى في خَلقِه لم يَطَّلِع على ذلكَ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ ولا نَبيٌّ مُرسَلٌ*".

قال الشارح: والمُرادُ بالقَدَر التَّقْدير. قال الإمامُ الحَسَنُ البِصْرِيُّ رضي الله عنه وغيرُه منْ أئمَّة السَّلَف: "*مَن كذَّبَ بالقَدَر فقَد كفَر*". المعنى أنّ الذي لا يعتَقدُ جَزمًا بلا شكٍّ أن مَا يَجري على العباد مِن أعمالٍ ظاهِرةٍ وباطِنَةٍ بتقدير الله مَن لم يعتقد هذا فاعتقَدَ خِلافَه بأن اعتقدَ أنّ العبدَ هو الذي يُحْدِثُ ويَخلُق أعمالَهُ فقَد كفَر، العبدُ لا يُحْدِثُ منَ العَدَم إلى الوجود إنّما يُوَجِّه إرادَتَه إلى نحوِ الشّىء الذي يَميْلُ إليه نحوَ تلكَ الحركةِ أو السّكون فيَخلُق اللهُ تعالى تلكَ الحركةَ أو السّكونَ يَخلقُها اللهُ تعالى في العبدِ ليسَ كما تقولُ المعتزلة. قالوا إنّ اللهَ تعالى كانَ قَادرًا على أن يخلُقَ حَركاتِ العبدِ وسكونَه قبلَ أن يُعطِيَه القُدْرةَ فلَمّا أعطاهُ القُدْرَة صارَ عَاجزًا، قالوا خرَج مِن يده لأنّه أعطاهُ القُدرَة على هذه الحركاتِ والسَّكَنات جعَلُوا اللهَ كما قالَ بعضُ العلماءِ أَدخَلتُه داري فأخرَجَني منها. فبَعدَ قَولِهم هذا المؤمنُ لا يَسَعُه إلاّ تكفيرُهم العَجَبُ لكَثيرٍ منَ الفقهاءِ يَعتَبِرونَهم منَ المسلمينَ ولَعلَّ هؤلاء لم يَطَّلِعُوا على هذه المقالةِ الشّنِيعَة، فإنّا لله وإنّا إليه راجِعون.

فمعنى القَدَر التَّقديرُ ومعنى التَّقدير التّدبيرُ، قال ذلك بعضُ اللُّغَويّين وهو الزَّجّاج.

سُئِلَ الشافعي رضي الله عنه عن القَدَر فقالَ أبياتًا وهي:

ما شِئْتَ كان وإن لم أشأ       وما شِئتُ إن لم تَشَأ لم يكُن

خَلَقْتَ العِبَادَ على مَا عَلِمْتَ   ففِي العِلْم يَجْري الفَتى والمُسِنّ

على ذا مَنَنتَ وهذا خذَلْتَ     وهذا أعَنْتَ وذا لم تُعِن

فمِنْهُم شَقِيٌّ ومِنْهُم سَعِيْدٌ      ومنهم قَبِيْحٌ ومنهُم حَسَن

هذا كانَ جواب الشَّافعيّ لتَفسِير القدَر فحاصِلُ هذا الكلام أن القَدَرَ هو مشيئةُ الله تعالى التّابِعةِ لعِلْمِه أي الموافقةِ لعِلمِه لأنّ المشيئةَ لا تُخالِفُ العِلمَ، مشيئةُ الله تعالى تابعَةٌ للعِلم للحادثاتِ التي تدخُل في الوجود ممّا يتَعلّق بأفعالِ العبادِ وغَيْر ذلك.

فبقولِه ما شِئتَ كانَ وإن لم أشأ أفهَمَ أنّ ما شاءَ اللهُ تعالى دخولَه في الوجود كانَ أي وُجِدَ لا بُدَّ مِن ذلك، لا أَحَدَ يَمنَعُ نفَاذَ هذه المشيئةِ، لا يمنَعُ نفاذَ هذه المشيئة دَعوةُ داعٍ ولا صَدَقَةُ متَصدِّق ولا برُّ الوالدَين ولا شىءٌ منَ الحسَنات، إنّما نَفْع الدّعاءِ والصّدقة وبرِّ الوالِدَين وصلةِ الرَّحِم، فإن كانَ سَبَقَ القَدَرُ في أنّ هذا الإنسانَ يَفعَلُ هذه الدَّعوةَ يَدعُو أو يتصَدّق أو يَبَرُّ والدَيه أو يَصِلُ رحِمَه فيُعطَى ما طلبَه أو يُدْفَعُ عنه ما طلَب أن لا يُصيبَه فهناك صار دُعَاؤُهُ منَ القَدَر ونَيْلُه لطَلبِه منَ القَدَر وكذلكَ انصرافُ البلاءِ الذي طلَب منَ الله أن لا يُصيبَه منَ القَدَر، كلٌّ منَ القَدَر، فكثيرٌ منَ الناس لا تَبتَعِدُ أذهانُهم عن اعتقادِ أنّ اللهَ يُغَيّرُ مشيئتَه، قَد يَعتقدُ معتَقِدٌ أنّ الله يكونُ شاءَ في الأزل أن يُصيبَ فُلانٌ كذا ثمّ العبدُ يَدعُو بأن لا يُصيبَه ذلكَ الشّىءَ فيُأخّرُ اللهُ عنه وقَد كانَ شاءَ في الأزلِ أن يُصيبَه، هذا ضلالٌ وكفرٌ لأنّ الله تعالى لا تتَغيّرُ عليه صفاتُه أي لا يشَاءُ مَشيئةً جديدةً، بل مشيئتُه أزليّةٌ شاملَة لكلِّ ما سيَحدُث في الدّنيا وفي الآخِرة إلى ما لا نهايةَ له، تلك المشيئةُ الأزليّةُ الأبديةُ شاملةٌ لكُلّ ما سيَحدُث في هذه الحياةِ وفي الحياةِ الثّانيَة إلى ما لا نهايةَ لهُ هذا الذي ينبَغي أن يُعْتَقَد.

فالعبدُ إذا دَعا

بشَىءٍ فأُعْطِيَ ذلكَ الشّىءَ أو دَعا

بأن يَسْلَم مِن شَىءٍ فَسَلِم فإنّما ذلكَ على حسَب مشيئةِ اللهِ الأزليّة، يكونُ سبَق في مشيئةِ الله الأزليّة أن هذا الإنسانَ يَدعُو أن يَنال كذا فيُعطَى ذلك الشّىءَ أو أنّ هذا الإنسانَ يصِلُ رحمَه أو يتصَدّقُ بصَدَقة أو يَبَرُّ والِدَيه فيُدْفَع عنه كذا منَ البلاء، هذا يَصيرُ على حسَب مشيئةِ الله الأزليّةِ ليسَ على خِلاف مشيئةِ اللهِ الأزليّة ويُقالُ لهذا الشّىء الذي طلَب العبدُ أن يَسْلَمَ منه فَسَلِم أو طَلَب أن يُعْطَى فأُعطِي يُقَال لحصُولِ هذا الشىء للعبدِ القَدَرُ المعَلَّق بمعنى أنّ هذا المقدُور عن نيلِ الشّخص لهذا الطّلَب بصلَة رحمِه أو بصَدقتِه أو بِبرِّ والدَيه مُعَلَّقًا في صُحُف الملائكةِ بمعنى أنّه كُتِب في صحُف الملائكة فلانٌ إنْ برَّ والدَيْه يكونُ عمرُه مَثلاً مائة وإن لم يَبرَّ يكونُ عمرُهستين

أو إن تصَدَّق فلانٌ بكذا أو إن وصَل رحمَه يكونُ عمرُه مائة وإن لم يفعل فعُمرُه سِتّون وما أشبَه ذلك، فهذا الشّىء الذي يحصُل لهذا العبدِ يُقال له القضاءُ المعلَّق، لأنّه كتِب في صحف الملائكة على وجْه التّعليق، لأنّ هذا التّعليقَ أخَذُوه منَ اللّوح المحفوظ.

379-س: عن الحِوار الذي جرَى بينَ آدمَ وموسى عليهما السَّلام، ذُكِر في الحِوار عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلم: احتَجَّ آدمُ وموسى عندَ ربّهما فحجَّ آدمُ موسى عليه السَّلام، فقال موسى لآدمَ أنتَ الذي خَلَقَك اللهُ بيدهِ ونفَخَ فيكَ مِن رُوحِه وأسجَدَ لكَ ملائكتَه وأسكنَك جنّتَه ثم أَهْبَطْتَ الناسَ بخَطيئَتِك إلى الأرض فرَدّ عليه آدمُ عليه السَّلام أنّ هذا حصَل بتَقديرِ الله.

ج: آدمُ وموسى في الاعتقادِ على حَدٍّ سَواء لكن مِن حيثُ الظّاهرُ موسى أورَد الكلامَ على وَجْهٍ ثم كانَ جوابُ آدمَ على وجه فكانَ خُلاصَةُ إيرادِ موسى على آدمَ على هيئة العِتابِ أي أنتَ السَّببُ في خرُوجِنا ومُقاسَاتِنَا للمَتاعِب في هذه الدُّنيا بما فعَلتَ وارتَكبتَ مِن تلك الخطيئةِ،

وهى معصيته الصغيرة بأكله من الشجرة التي نهي عنها

فأجابَه آدمُ بأنّ هذا ما حصَل إلاّ بتَقدير الله، ثمّ إنّ هذا أمرٌ مضَى وانتهَى وَتِيْبَ عليَّ منهُ فلا أُلاَمُ بعدَ تَوبَتي منه، وليسَ المعنى مِن آدم أنّه لا يَستَحِقُّ أحَدٌ ارتكَب معصيَةً وخطيئَةً أن يُوجَّه إليهِ اعتراضٌ وإنكارٌ، ليسَ هذا قَصده  إنّما قصدُه أنّ هذا شىءٌ حصَل بتقدير الله وتُبْتُ منه وانتهى أمرُه،لذلك

الرَّسولُ قال فَحَجَّ آدمُ موسَى أي غَلَبَ آدمُ موسَى في المُحَاجَّة لأنَّ هذا العمَلَ الذي عَملَه آدمُ لا يُوَجَّه إليه لومٌ عليهِ بعدَ أن تابَ منه ومحِيَ عنه.

380-س: كيف نُسِّقَ هذا الحديثُ بينَ آدمَ وبينَ موسى والفترةُ الزّمنيّة الطّويلة بينهما.

ج: الأنبياءُ أحياهُم اللهُ بعدَ أن ماتُوا وكُلٌّ منهُم حَيٌّ الآنَ يَذكُر ربَّه ويُصَلّي في قَبره.

381-س: مَن أوصَل هذا الحوارَ الذي دارَ بينَهما إلينا.

ج: اللهُ أوحَى إلى سيّدِنا محمَّد بأنّه حصَل بينَ آدمَ وموسَى هذا الحديث في البَرزخ أي بعدَ موتِهما.

والتقديرُ معناه هذا الذي فسَّره الشافعي أي أنّ التقدير هو مشيئةُ الله التابعةُ لعلمِه الأزلي فيما يتعَلَّق بالحادثات التي تحدُث أي تَدخُل بالوجود.

382-س: ما عمَلُ الرُّقَى والتّعاويذ وهذه الصلواتِ التي نَستعينُ بها لكَفّ الشرَّ عنّا ولجَلْب الخيرِ لنا.

ج: هذه أيضًا مِن جملة المقَدَّرات، الله تعالى قَدَّر أن يَعمَلَ قِسْمٌ منّا

الطَّاعاتِ بإرادتنا لنَكتَسِبَ الدّرجَاتِ العُلَى في الآخرة بقَدَرِه، فهي مِن قَدَرِه، كذلكَ الآخَرُون الأشقياء الذينَ علِم اللهُ بعِلمه الأزلي أنّهم يموتُون على الكفر، يَختارُون الكفرَ فيموتُونَ عليه ويكونونَ مِن أهلِ العَذابِ الدّائم ذلكَ أيضًا مِن قَدَرِ الله تعالى أي ممّا قدَّرَه الله تعالى، فكُلُّ ما يَجري فِينا مِن أصلِ وجُودِنا ثم ما يَجري علينا في حيَاتِنا هذه منَ الحركات والسّكون والنّوايا والخواطر والاعتِقادات والإدراكاتِ كلٌّ بتقدير اللهِ تعالى وُجِدَ أي بمشيئتِه الأزليّةِ التّابعَةِ لعِلمِه الأزليّ، ليسَ معنى التابِعة أن مشيئةَ الله تَحدُث بعدَ وجُودِ عِلمِه الأزليّ، بل عِلمُه أزليّ ومشيئَتُه أزليّةٌ، إنما معنى التّابعةِ أنّها موافِقةٌ لعِلم الله الأزلي فأعمالُنا هذه وما يتَرتّب عليها كلٌّ بتَقدير الله.

فكلُّ ما يَرِد على العباد مِن اختِلاف الحالات والصّفات فهي على حسَب ما سبَق في عِلم الله ومشيئتهِ الأزليّين، وقولُه تعالى في بعضِ الآيات ((ليَبْلُوَكُم أيُّكم أحسنُ عمَلا))وقوله: ((حَتى نَعلَم المجاهِدين منكُم والصّابرين)).

هذا معناهُ حتى نُظهِرَ للخَلق ليسَ معناهُ أنا أُريد أن يَظْهَرَ لي، ((نَعْلَم)) معناه نُظهِرَ. نُميِّزَ لخَلقِنا، لعبادِنا،.

عِلمُ الله أعَمُّ من الإرادةِ والقُدرة، الإرادةُ والقُدرَة تتَعلّقان بالممكناتِ العقليّة أمّا عِلمُه أعَمُّ لأنّه يتَعلّق بالممكناتِ العقليّة وبالمستَحيلات وبالواجِب العقلي ولا اختِلاف بينهما، لا اختلافَ بينَ عِلمِه تَعالى وقُدرَتهِ ومَشيئتِه.

383-س: عن مَن قال إننا مُسَيّرون لأنّ الله شاء لنا أعمالَنا التي نَفعَلُها.

ج: المشيئةُ صفتُه أمّا المرادَاتُ هيَ أعمالُنا حَركاتُنا وسكُونُنا، هذه يقالُ لها مُرادَاتٌ لله تعلّقَت بها إرادتُه أي مشيئَتُه فحَدثت موافِقَةً لمشيئةِ اللهِ تعالى، الجوابُ في هذه المسألة يُقال إنّ اللهَ شاءَ وعلِمَ أنّ قِسمًا مِن عبادِه يكونُون مؤمنينَ يَختارُون الإيمانَ والطّاعةَ، أي يَنسَاقُون إلى الإيمانِ والطّاعة وأنّهم يكونونَ ممّن يتفَضّلُ عليهم ربُّهم بالنّعيم المقيم في الدّارِ الآخِرة وأنّ قِسمًا منهم ينسَاقُون على حسَب عِلم اللهِ ومشيئتِه إلى ما عَلِم الله تعالى وشاءَ في الأزلِ فيَنسَاقون إلى الكفرِ والمعاصي باختِيارهم أو إلى المعاصي فقط، ثم لا يُقالُ لِم اللهُ تعالى يُعذّب هؤلاء الأشقياءَ وبعضَ العصاةِ الذينَ يمُوتُون بلا تَوبةٍ وهم مؤمنون، لِم يُعذّبُ هؤلاء على أمرٍ علِمَه وشاءَه في الأزل أنهُ يحصُل منهم، هذا الذي نَهى اللهُ عنه بقوله: ((لا يُسألُ عمّا يَفعلُ وهُم يُسأَلونَ)) نحنُ المسؤولون هوَ ليسَ عليه سؤال، لا يُقال له لم تعَذّب هؤلاء الكفّارَ وهؤلاء العصاةَ على عمَلٍ عمِلُوه بعِلمِك الأزلي ومشيئتِك الأزليّة على وجْه الاعتراضِ هذا كُفر.

384-قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلم: "*إذا ذُكِرَ القَدَرُ فأمسِكوا*رواه ابن عساكر" معناهُ لا تَتَوَغَّلُوا في البَحث، أما تفسيرُه يجب معرفتُه، يجبُ معرفةُ تفسير القَدَر. أمّا التّوغُّلُ فيه للوصولِ إلى سرِّ القدَر هذا ممنوع، مُنِعْنا منه، لأنّه بَحرٌ ليسَ لهُ سفِينة.

385-إذا قيلَ للعبد إنّه مسَيّر أي مسَيّر بتقدير الله بتَسيِير الله بتَمكِين اللهِ لهُ حقٌّ،((هوَ الذي يُسَيّركُم في البَرّ والبَحر)) بمعنى التّمكينِ منَ السَّيْر يُقال العبدُ مُسَيَّر بتَسيِير الله أي هو يمكّنُنا على السّير في البرّ والبَحر لولا تمكينُه إيّانا مِن أينَ نَستَطيع، أوّلَ ما وُلدنا ما كُنّا نستَطيع السّيرَ على ما يَلينا مِن أرض البيتِ فَضلاً عن أن نَذهَب بالباخرة لنركَب البحر. اللهُ تعالى خلَق فِينا هذه القُدرةَ للمَشي وبهذا المعنى الإنسانُ مُسَيَّرٌ لله، أمّا بمعنى مجبُور لا يقال، غايةُ ما يُقال عندَ أهلِ السُّنَّة إنّ العبدَ لهُ اختِيارٌ لكنّه تحتَ مشيئةِ الله.