• Narrow screen resolution
  • Wide screen resolution
  • Wide screen resolution
  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size
  • default color
  • red color
  • yellow color
  • orange color
معاصى الرجل PDF Print Email
Written by Administrator   
Sunday, 22 August 2010 12:22


معاصى الرجل

قال المؤلف رحمه الله:

فَصْلٌ

ومن معاصى الرِّجْلِ المشىُ فى معصيةٍ. كالمشى فى سعايةٍ بمسلمٍ أى للاضرارِ به عند الحاكمِ أو نحوِهِ أو فى قتلِهِ أى المشىِ لقتلِ مسلم أو للإضرارِ به بغيرِ حق.
الشرح: أن السعاية بالمسلم فيها أذى كبير لأنه يحصل بها إدخالُ الرعب إلى المسعىِّ به وإرجافُ أهله وترويعُهم بطلب السلطانِ. وهذا إذا كانت السعايةُ به بغير حق، وأما السعايةُ بحقٍ فهى جائزةٌ. ومثل السعاية فى كونها معصيةً المشىُ بالرجل لأجل فعل معصيةٍ كالمشى للسرقةِ أو المشى للزنا بامرأةٍ أو للتلذذ بامرأة لا تحل له بما دون الزنا. فإن مجردَ ذلك المشىِ معصيةٌ.
قال المؤلف رحمه الله: وإباقُ العبدِ والزوجة، ومن عليه حقٌ عمّا يلزَمُهُ من قِصَاصٍ أو دينٍ أو نَفَقَةٍ أو بِرِّ والديهِ وتربيَةِ الأطفال.
الشرح: أن من معاصى الرجل إباقَ العبد المملوك أى هرَبَهُ من سيدِهِ ذكراً كان العبدُ أو أنثى. ومثل ذلك هربُ الزوجةِ من بيتِ زوجها. وكلا الأمرين من كبائر الذنوب ما لم يكن عذرٌ. وكذلك يحرم الهرب من أداء الحقِّ الواجبِ على الشخص كأن لزمَه قِصاصٌ فهربَ حتى لا يُقتَصَّ منه بالطريق الشرعىّ، أو لزمه دينٌ أو نفقةٌ على الزوجةِ أو الوالدين أو الأطفال فهرب حتى لا يدفع ذلك. وهذا أى الهروب من النفقة الواجبةِ هو من كبائر الذنوب كما روى ذلك الترمذىُّ وغيره.
قال المؤلف رحمه الله: والتبخْتُرُ فى المشى.
الشرح: أنَّ من معاصى الرِّجْلِ التبخترَ فى المشى وذلك بأن يمشِىَ مِشيَةَ الكِبْرِ والخُيَلاءِ. وقد سبق ذكر حديث البخارِىِّ فى الرَّجُلِ الذى كان يمشى متبختراً فبلعته الأرض.
قال المؤلف رحمه الله: وتَخَطّـِى الرقاب إلا لفُرجة.
الشرح: أن من معاصى الرِّجْلِ تخطّـِىَ الرقاب إن لم يكن ذلك لأجل سدِّ فُرجةٍ. أى إذا كان ذلك على وجه الإيذاء. وأما إن لم يكن على وجه الإيذاء فهو مكروهٌ.
قال المؤلف رحمه الله: والمرورُ بين يدىِ المصلّى إذا كَمَلَت شروطُ السُّترة.
الشرح: أن من جملةِ معاصى الرِّجل المرورَ بين يدى المصلّـِى مَعَ حصول السترة المعتبرة بأن قرُب منها ثلاثةَ أذرُعٍ فأقل بذراع اليد المعتدلةِ وكانت مرتفعةً ثلُثَى ذراعٍ فأكثرَ. فإن وُجدت هذه السترةُ سُنَّ للمصلِى أن يمنع الذى يريد المرور بينه وبين السترةِ. وإن لم توجد هذه السترةُ فليس للمصلى أن يزعجَ المارَّ بين يديه ولو قرُب منه ذراعاً أو نحوَ ذلك.
قال المؤلف رحمه الله: ومَدُّ الرِّجْلِ إلى المصحف إذا كان غيرَ مرتفعٍ.
الشرح: أن من محرمات الرجل مدَّها إلى المصحف أو إلى كتاب علمٍ شرعىٍّ إذا كان غيرَ مرتفعٍ على شىءٍ لأنَّ فى ذلك إهانةً له. هذا إذا لم يكن المصحفُ فى خِزانةٍ تحجبه فإنه لا يحرُمُ عند ذلك. وكذلك يحرُم كتابةُ المصحف بنجاسة ومسُّه بعضوٍ متنجسٍ سواء كانت النجاسة التى على العضو رطبة أو جافة. وما ذُكِر فى بعض كتب الحنفية من جوازِ كتْبِ الفاتحة بالبول للاستشفاءِ إن علم فيه الشفاءَ فهو كفرٌ مخالف لأصول مذهبهم.
قال المؤلف رحمه الله: وَكُلُّ مَشْىٍ إلى مُحَرَّمٍ، وَتَخَلُّفٍ عن واجبٍ.
الشرح: أن من معاصى الرجل المشىَ بها لارتكاب معصيةٍ مما حرم الله. ومثلُ ذلك المشىُ بها إلى ما فيه إضاعة واجبٍ، كأن يمشىَ بها مشياً يُخرج به الصلاةَ عن وقتها عمداً.


قال المؤلف رحمه الله:

فَصْلٌ

ومن معاصى البدن عقوقُ الوالِدَين.
الشرح: أن من معاصى البدن-أى من المعاصى التى لا تختص على الدوامِ بجارحة دون سواها من الجوارح-عقوقَ الوالدينِ أو أحدِهما مهما علا ولو وُجِدَ أقربُ منهم. وقد قال بعض الشافعية فى ضبطِ العقوق: هو ما يتأذّى به الوالدانِ أو أحدُهُما تأذّياً ليس بالهينِ عُرفاً. إهـ. وقد صحَّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ثلاثة لا يدخلون الجنة (أى مع الأولين): العاقُّ لوالديه والدَّيُّوثُ ورَجُلَةُ النساء". رواه ابن حبان. أى إن لم يتوبوا، وأما إن تابوا فيُغفَر ذَنْبُهم.
قال المؤلف رحمه الله: والفِرار من الزحفِ، وهو أن يفِرَّ من بين المقاتلينَ فى سبيل الله بعد حضورِ موضِعِ المعركة.
الشرح: أن من جملة معاصى البدن الفرارَ من الزحفِ وهو من الكبائر إجماعاً. فإذا لَقِىَ المسلمون ضعفَهم من العدوِ أو أقلَّ حرُمَ عليهم الفرارُ إلاَّ متحرفين لقتالٍ أو متحيزين إلى فئةٍ. وإن كان الكفار أكثر من ضعفهم ففرُّوا لم يستوجبوا السخطَ من اللهِ عندها.
قال المؤلف رحمه الله: وقطيعةُ الرَّحِمِ.
الشرح: أن من معاصى البدنِ قطيعةَ الرحِم وهى من الكبائر بالإجماع لحديث رسول الله : "لا يدخل الجنة قاطع"، أى لا يدخُلُها مع الأولين. والحديث رواه البخارىُّ. وتحصُلُ قطيعة الرَّحِمِ بتنفير رَحِمِهِ منه إما بترك الإحسان بالمال إليهم فى حالِ حاجاتهم إليه وقدرته على مساعدتهم، وإما بترك الزيارةِ أى إن كان ذلك بلا عذرٍ. والرحِمُ هم كلُّ قريبٍ إن كان من جهة الأب أو من جهة الأم.
قال المؤلف رحمه الله: وإيذاءُ الجار ولو كافراً له أمانٌ أذًى ظاهراً.
الشرح: أن من معاصى البدنِ إيذاءَ الجارِ إيذاءً ظاهراً ولو كان الجارُ كافراً له أمانٌ. وذلك بأن يسُبَّهُ أو يَضرِبَهُ بغير سببٍ شرعىٍ، أو يبنِىَ ما يؤذيه مما لا يأذَنُ له به الشرعُ. وإيذاء الجارِ أشدُّ وِزراً من إيذاء غيرِهِ. وقد صحَّ فى الحديثِ أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما زال جبريلُ يوصِينى بالجارِ حتى ظَنَنتُ أنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ". إهـ.
قال المؤلف رحمه الله: وخضبُ الشعرِ بالسواد. وأجازَهُ بعضُ الأئمةِ إذا لم يكن يُؤَدِّى إلى الغَش والتلبيس.
الشرح: أن من معاصى البدن خضبَ الشَعرِ بالسوادِ للرجل والمرأة على السواءِ على القول المختارِ فى مذهبِ الشافعىِّ، لحديث ابن ماجَهْ: "يكون قومٌ فى ءاخِر الزمان يخضِبون شعورَهم بالسوادِ، ليس للهِ بهم حاجة" إهـ. وقال بعض الشافعيةِ: يجوز للمرأة أن تَخْضِبَ بالسوادِ بإذن زوجها.
قال المؤلف رحمه الله: وتشبُّه الرجالِ بالنساءِ وعكسُهُ، أى بما هو خَاصٌّ بأحَدِ الجِنْسيْنِ فى المَلْبَسِ وغيرِه.
الشرح: أن من معاصى البدن تَشَبُّهَ الرجال بالنساء وبالعكس، لكنَّ تَشَبُّهَ النساء بالرجال أشدُّ إثماً. فما كان خاصاً بأحد الصنفين من الزىِّ فهو حرامٌ على الصنف الآخر. وقد روى أبو داودَ عن عائشة رضى الله عنها قالت: نهى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الرجُلَ عن أن يَلْبَسَ لبْسَةَ المرأةِ والمرأةَ عن أن تَلبَسَ لبسةَ الرجلِ.إهـ.
قال المؤلف رحمه الله: وإسبالُ الثوبِ للخُيَلاَءِ، أى إنزالُه عن الكَعْبِ للفخْرِ.
الشرح: أن من معاصى البدنِ تطويلَ الثوبِ للخيلاءِ أى للكِبْرِ. فمن أنزلَ إزاره من الرجال إلى ما تحت الكعبين للبطَرِ فقد وقع فى ذنبٍ كبير وإلا فهو مكروهٌ. والطريقةُ المستحسنةُ شرعاً أن يكونَ الإزارُ ونحوُهُ إلى منتصف الساقين.
قال المؤلف رحمه الله: والحِنَّاءُ فى اليدينِ والرِجلينِ للرَّجُلِ بلا حاجةٍ.
الشرح: أن من معاصى البدنِ استعمالَ الحناءِ أى الخِضَابَ به فى اليدين والرجلين للرَجُلِ بلا حاجةٍ إليه، وذلك لأن فيه تشبُهاً بالنساءِ.
قال المؤلف رحمه الله: وقطعُ الفرض بلا عذرٍ.
الشرح: أَنَّ من معاصى البدن قطعَ الفرضِ أداءً كان أو قضاءً من غير عذرٍ، وسواءٌ كان صلاةً أو غيرَها. وأما إنْ قَطَعَهُ لعذرٍ فهو جائزٌ. وخرج بقولنا الفرضِ النفلُ فيجوزُ قطعُهُ ولو بلا عذرٍ لأنه ليس واجباً. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الصائم المتطوع أميرُ نفسِهِ إن شاء صام وإن شاء أفطر". رواه البيهقى وغيره. إلا إذا كان النفلُ نفلَ حجٍ أو عُمرةٍ كما قال المؤلف رحمه الله:
وقطع نَفْلِ الحج والعمرة.
الشرح: أن من معاصى البدن قطعَ نفلِ الحجِ والعمرةِ وذلك لأنه يصيرُ واجباً بالشروع فيه فيجب إتمامُهُ عند ذلك.
قال المؤلف رحمه الله: ومحاكاةُ المؤمن استهزاءً به.
الشرح: أن من معاصى البدن محاكاةَ المؤمن فى قول أو فعل أو إشارةٍ على وجه الاستهزاء به لقول الله تعالى: {يا أيها الذين ءامنوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِن قومٍ} الآية. وقد تكون المحاكاة بالضحك على كلامهِ إذا تخبط فيه وغلِطَ، أو على صَنْعَتِهِ وقُبْحِ صورَتِه.
قال المؤلف رحمه الله: والتجسُّسُ على عورات الناس.
الشرح: أن من معاصى البدن التجسسَ على عورات الناسِ أى التطلُعَ على عوراتهم والتتبُعَ لها. قال تعالى: {ولا تَجَسَّسُوا}. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من تَتبَّع عوراتِ الناسِ تَتَبَّع الله عورَتَهُ، ومن تتبَّعَ اللهُ عورَتَهُ يفضَحهُ فى جوفِ دارِهِ". رواه الترمذىُّ.
قال المؤلف رحمه الله: والوشمُ.
الشرح: أن من معاصى البدن الوشمَ. وهو غرزُ الجلد بالإبرَةِ حتى يخرجَ الدمُ، ثم يُذَرُّ عليه ما يُحشَى به المحلُّ ليَزْرَقَّ مثلاً أو يَسْوَدَّ. وهو من كبائر الذنوب لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن الواشمةَ والمستوشمة.
قال المؤلف رحمه الله: وهجرُ المسلمِ فوقَ ثلاثٍ إلا لعذرٍ شرعىٍّ.
الشرح: أن من معاصى البدن أن يهجُرَ المسلمُ أخاهُ المسلمَ بغيرِ عذرٍ شرعىٍّ، فيترُكَ حتى السلام عليه. وهو حرامٌ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يحلُّ لمسلمٍ أن يهجُرَ أخاه فوقَ ثلاثِ ليالٍ يلتقيانِ فَيُعرِضُ هذا ويُعرِضُ هذا. وخيرُهُما الذى يبدأُ بالسلام". رواه البخارىُّ. فَأَفْهَمَ الحديثُ أنَّ إثمَ الهجرِ يرتفعُ بالسلام.
قال المؤلف رحمه الله: ومجالَسَةُ المُبْتَدِعِ أو الفاسِقِ للإيناس له على فِسْقِهِ.
الشرح: أن من معاصى البدن مجالسةَ المبتدعِ بدعةً اعتقاديةً أو الفاسقِ فِسقاً عملياً للإيناس له على فِعلِه المنكَرَ كَشُرْبِ الخمرِ ونحوِهِ. وقد صَحَّ فى الحديثِ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس على مائدةٍ يُدَارُ عليها الخمرُ" رواه البخارىُّ.
قال المؤلف رحمه الله: ولُبسُ الذهبِ والفضةِ و الحريرِ، أو ما أكثَرُه وزناً منه للرجل البالغ إلا خاتمَ الفضةِ.
الشرح: أن من معاصى البدنِ لُبْسَ الذهبِ مُطلقاً للرجلِ البالغِ. وكذا لُبْسُ الفِضَةِ غيرَ الخاتَمِ منها ولُبْسُ الحريرِ الخالصِ أو ما أكثرُه وزناً منه. وأما خاتَمُ الفضة فجائزٌ لبسُهُ للرجل لأن الرسولَ صلى الله عليه وسلم لَبِسَهُ. وخَرَجَ بالرجل المرأةُ فإنه يجوز لها لُبْسُ الذهبِ والفضةِ والحرير. وأما الصبىُّ فقد اختُلِفَ فى جواز إلباسِه الذهبَ والفضةَ إلى البلوغ.
قال المؤلف رحمه الله: والخَلوةُ بالأجنبية بحيثُ لا يراهما ثالثُ يُستَحى منه من ذكرٍ أو أنثى.**
الشرح: أن من معاصى البدن خَلْوَةَ الرجل بالمرأة الأجنبيةِ بأن لم يكن معهما ثالثٌ  يُستحى منه رجلاً كان أو امرأةً. وذلك حرام لحديثِ البخارِىِّ: "ولا يَخْلُوَنَّ رجلٌ بامرأةٍ إلا كان الشيطانُ ثالثَهُما". ولا يحرُمُ خَلوةُ رجلين بامرأةٍ على الصحيح. وإن خالَفَ بعضُ الشافعيةِ فى ذلك فإن كلامَهم مردودٌ بحديثِ مسلمٍ أنه صلى الله عليه وسلم قال: "لا يدخُلَنَّ رجلٌ على مُغِيبَةٍ إلا ومعَهُ رجلٌ أو رجلانِ". والمُغِيبَةُ هى المرأةُ التى غاب زوجُها.
قال المؤلف رحمه الله: وسفرُ المرأة بغير نحو محرَمٍ.
الشرح: أن من معاصى البدن سَفَرَ المرأةِ من غير نحو مَحْرَمٍ، لحديثِ أبى داودَ أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم نهى أن تسافرَ المرأةُ بريداً من غير محرمٍ يكون معها. والبريدُ مسيرةُ نصف يوم. وورد فى بعض الرواياتِ ذكر مسيرة يوم، وفى بعضِها غيرُ ذلك. فدلَّ على أن المقصودَ تحريمُ كلِّ ما يُسمى سفراً على المرأةِ إذا كان بدون المحرم أو الزوج. وهذا إن لم تكن ضرورةٌ، وأما إن كانت مسافرةً لضرورةٍ ولم تجد محرماً يذهبُ معها فلا حرَجَ عليها.
قال المؤلف رحمه الله: واستخدام الحُرِّ كُرهاً.
الشرح: أنّ من جملة معاصى البدن استخدامَ الحر كُرهاً بأن يُقهَرَ الحُرُّ من غيرِه على عملٍ يعمله بغير رضاه.
قال المؤلف رحمه الله: ومعاداةُ الولىّ.
الشرح: أن من معاصى البدنِ معاداةَ ولِىٍّ من أولياء الله تعالى. والولىُّ هو المؤمِنُ المؤدّى للواجباتِ المجتنبُ للمحرماتِ والمكثرُ من النوافلِ. وأما معاداةُ خواصِّ الأولياء والصّدّيقين كالخلفاء الأربعةِ فهى أشدُّ إثماً من معاداةِ الأولياء الذين هم دونهم فى الرُّتبة.
قال المؤلف رحمه الله: والإعانةُ على المعصية.
الشرح: أن من معاصى البدن الإعانةَ على المعصيةِ وذلك لقول الله تعالى: {ولا تعاوَنوا على الإثم والعدوان}. فيُعلم من ذلك حرمةُ أخذِ إنسانٍ إلى معابد الكفار ليؤدِىَ شعائرَ الكفرِ، ولو كان ذلك الإنسانُ زوجةً أو والداً وهو كفر.
قال المؤلف رحمه الله: وترويجُ الزائِفِ.
الشرح: أن من معاصى البدن ترويجَ الزائِفِ لأنَّه داخلٌ فى الغَشِّ وأكلِ أموال الناسِ بالباطلِ.
قال المؤلف رحمه الله: واستعمالُ أَوَانِى الذَّهَبِ والفِضَّةِ واتّخَاذُها.
الشرح: أن من معاصى البدن استعمالَ أوانِى الذهب والفضةِ بالأكلِ أو الشربِ فى أوانيهِما أو نحوِ ذلك. وكذلك يحرُمُ اتخاذُ أوانيهِما أى اقتِنَاءُ أوانِيهِما بِلا استعمالٍ. قال رسول الله : "إن الذى يأكلُ ويشرَبُ فى ءانيةِ الذهبِ والفضةِ إنما يُجرجِرُ فى بطنه نار جهنم" إهـ.، وذلك إن لم يكن عذرٌ لاستعمال هذه الأوانى.
قال المؤلف رحمه الله: وتركُ الفرضِ، أو فعلُهُ مع تركِ رُكنٍ أو شرطٍ، أو مَعَ فِعلِ مُبْطِلٍ له، وتركُ الجمعة معَ وجوبها عليه وإن صلّى الظهر، وتركُ نحوِ أهل قريةٍ الجماعاتِ فى المكتوبات.
الشرح: أن من معاصى البدن تَرْكَ الفرض من صلاةٍ أو غيرها، وكذا فعلُ الفرض صورةً مع الإخلال بركنٍ أو شرطٍ أو مع فعل مبطلٍ له، وكذلك ترك الجمعةِ بلا عذرٍ فى حق من وجبت عليه وإن صلى الظهر بدَلَها، وكذلك تركُ نحوِ أهلِ بلدٍ إن كانت مدينةً أو قريةً صغيرةً الجماعةَ فى المكتوبات الخمسِ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما من ثلاثة فى مِصْرٍ أو قريةٍ لا تقام فيهمُ الجماعةُ إلا اسْتَحْوَذَ عليهمُ الشيطانُ. وإنما يأكلُ الذِئْبُ مِنَ الغَنَمِ القاصِيَةَ." رواه أبو داود.
قال المؤلف رحمه الله: وتأخيرُ الفرضِ عن وَقْتِهِ لِغَيرِ عُذْرٍ.
الشرح: أن من معاصى البدنِ تأخيرَ الفرضِ عن وقته بغير عذرٍ. فمن تهاون بالصلاةِ حتى أخرجها عن وقتها فقد وقع فى ذنبٍ عظيم. قال ربنا تبارك وتعالى: {فويل للمصلين. الذين هم عن صلاتهم ساهون. وثبت عن عمر رضى الله عنه أنه قال: من جمع بين صلاتين من غير عذرٍ فقد أتى باباً من أبواب الكبائر. رواه أبو داود.
قال المؤلف رحمه الله: وَرَمْىُ الصيدِ بالمثَقَّلِ المُذَفّـِفِ، أى بالشىء الذى يقتل بِثِقَلِهِ كالحجر.
الشرح: أن من معاصى البدن رمْىَ الصيد بالمثقَّلِ-أى ما يقتل بثقلِه-المُذَفّـِفِ أى المسرع لإزهاق الروح. وعلى هذا فإذا مات الصيدُ ببندُقِ الرصاصِ، فإنه لا يحلُّ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم للذى سأله عن المِعراضِ: "ما قَتَلَ بحدّهِ فكُلْ وما قَتَلَ بعَرْضِهِ فلا تأكُلْ".إهـ.والمعراض مثل المفتاح وزنا سهم لا ريش له.
قال المؤلف رحمه الله: واتخاذُ الحيوان غَرَضًا.
الشرح: أن من معاصى البدن اتخاذَ الحيوان غرضاً، أى كالشىء الذى يُنصَبُ ليُتَمَرَّن بالرمايَةِ إليه، سواءٌ كان ذلك للَّهْوِ أو لتعلُّمِ الرّماية.
قال المؤلف رحمه الله: وعدمُ ملازَمَةِ المعْتَدَّةِ للمَسْكَنِ بِغَيرِ عُذْرٍ.
الشرح: أن من معاصى البدن أن تبيت المرأةُ إن كانت فى العدة خارج بيتها بغيرِ عذرٍ. لكن يجوز لها أن تخرج لتستأنس ببعض جاراتها ثم تعودَ إلى البيت للمبيت. وأما إن كان عذرٌ كخوفها على نفسها فلا يحرم ذلك.
قال المؤلف رحمه الله: وترك الإحداد على الزوج.
الشرح: أن من معاصى البدن تركَ الزوجةِ المتوفَّى عنها زوجُها الإحدادَ على الزوجِ. ومعنى الإحدادِ اِلتزامُ تركِ الزينةِ والطّـِيب إلى نهايةِ العِدةِ. وليس من الإحدادِ الواجبِ عليها تركُ مكالمة الرجال غير المحارم ولا ترك الجلوس فى شرفة البيت. ويحرم الزيادةُ على هذه المدةِ المشروعَة فى الإحداد أى تركُ الطيب والزينة بنية الإحداد بعد انتهاء العدة. كما يحرُم على غير الزوجةِ من النساء الزيادةُ على ثلاثةِ ايامٍ. وأما الرجال فقد نصَّ بعض الشافعية على تحريم الإحداد عليهم مطلقاً. وإنما يجوز لهم التحزُّن. فلا يجوز للرجل أن يترك الطيب والزينةَ إذا كان بنية الإحداد.
قال المؤلف رحمه الله: وتنجيسُ المسجدِ، وتقذيرُهُ ولو بطاهرٍ.
الشرح: أن من معاصى البدن تنجيسَ المسجدِ وتقذيرَه ولو بطاهرٍ. فيحرُمُ تنجيسُه ببولٍ أو دمٍ أو غيرِ ذلكَ من النجاسات. وكذلك يحرُمُ تقذيرُهُ بغير النجاسةِ كالبُزَاقِ والمخاطِ، لأن حِفظَ المسجد من ذلك داخلٌ فى تعظيم شعائر الله. وقد رَوَى ابن حبانَ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "البصاق فى المسجدِ خطيئة" إهـ. أى ذنب.
قال المؤلف رحمه الله: والتهاونُ بالحج بعد الاستطاعةِ إلى أن يموت.
الشرح: أن من معاصى البدن تأخيرَ أداء الحج بعد حصول الاستطاعةِ إلى أن يموت الشخص قبل أن يَحُج. فوجوب الحج وإن كان على التراخى عند الإمام الشافعى وءاخرين، إذا تساهل فيه الشخص المستطيعُ حتى ماتَ قبل أن يحُج فإنه يُحكَمُ عليه بالفسقِ.
قال المؤلف رحمه الله: والاستدانةُ لمن لا يرجو وفاءً لدَيْنِه من جهةٍ ظاهرةٍ ولم يَعْلَمْ دائِنُهُ بذلك.
الشرح: أن من معاصى البدن الاستدانةَ لمن ليس بحال اضطرار إن كان لا يرجو وفاءً لدينه من جهةٍ ظاهرةٍ ولم يَعْلَمِ الدائن بذلك. فإن استدان فى مباحٍ وهو يرجو الوفاء من جهةٍ ظاهرةٍ ثم عجَزَ واستمر عجزُهُ إلى الموتِ فلا عقوبةَ عليه فى الآخرة لأن هذا ليس ذنباً.
قال المؤلف رحمه الله: وعدمُ إنظارِ المعسِرِ.
الشرح: أن المستدينَ الذى أعسرَ فلم يعُد قادراً على الوفاء بالدينِ يجبُ إنظارُهُ. أى يجبُ على الدائنِ أن يُنْظِرَه لقضاء ما عليه من الدين إذا علِمَ بحاله. فيحرُم عليه عندئذٍ ملازمَتُهُ أو حبسُهُ.
قال المؤلف رحمه الله: وبذلُ المال فى معصيةٍ.
الشرح: أن من معاصى البدن دَفْعَ المالِ وبَذْلَهُ فى معصيةٍ من المعاصى كبيرةً كانت أو صغيرةً. فمن فعل ذلك أى بذل المال فى المعصيةِ فقد دخل تحت حديثِ البخارىِّ وغيرِه: "إن أناساً يتخوضون فى مال الله بغير حق فلهم النارُ يوم القيامة" إهـ.
قال المؤلف رحمه الله: والاستهانةُ بالمصحف وبكل علمٍ شرعىٍّ، وتمكينُ الصبىّ غير المميّز منه.
الشرح: أن من معاصى البدن فِعلَ ما يُشعِرُ بترك تعظيم المصحفِ كأن يحملَهُ على غير طهارةٍ. ويحرُم كذلك فعلُ ما يُشعرُ بترك تعظيم كتب العلم الشرعىِّ الفقهِ والحديثِ والتفسير وغير ذلك، وذلك كمدِّ الرجلِ إليها. ويدخلُ فيما ذُكر تمكينُ الصبى المميّزِ من حمل المصحفِ على غير طهارةٍ من غير حاجةِ الدراسة. أما لحاجة الدراسةِ فلا يَحْرُمُ. فيجوز تمكينُهُ منه مع الحدَثِ لحملِهِ للتعلُّمِ فيه، ولنقلِهِ إلى موضعِ التعلُّم. وأما غير المميز فلا يجوز تمكينه من حمل المصحف. فلا يجوز أن يحمل الخادم غير المميز المصحف لسيده مثلاً. وأما ما وصل إلى حدِّ الاستخفاف فإنه كفرٌ، كالذى يدوسُ على المصحف عمداً أو يَبزُقُ عليه عمداً أو يفعل نحوَ ذلك مما فيه استهزاء واستخفاف بالمصحف.
قال المؤلف رحمه الله: وتغييرُ منارِ الأرض، أى تغييرُ الحد الفاصل بين مِلكه ومِلك غيره.
الشرح: أن من معاصى البدنِ أن يغيرَ حدودَ الأرضِ فيُدخِلَ أرضَ جارِهِ أو قسماً منها ولو شبراً واحداً فى حد أرضِهِ. فإن ذلك من الذنوب الكبيرةِ لحديث علىٍّ رضى الله عنه: ملعونٌ من غَيَّرَ منارَ الأرضِ. رواه مسلم.
قال المؤلف رحمه الله: والتصرفُ فى الشارع بما لا يجوز.
الشرح: أن من معاصى البدنِ التَّصرفَ فى الشارِعِ أى الطريقِ النافِذِ بما يضرُّ بالمارةِ فيه. وأما الطريقُ غيرُ النافِذِ فلا يجوزُ التصرف فيه بما لم يأذن فيه أهلُهُ.
قال المؤلف رحمه الله: واستعمالُ المعارِ فى غيرِ المأذون له فيه، أو زاد على المدةِ المأذون له فيها، أو أعارَه لغيره.
الشرح: أن من معاصى البدن استعمالَ العارِيَةِ فى غيرِ ما أَذِنَ فيها مالكُها. كأن يستعير حصاناً للرُّكوبِ أى أذِن له مالكُهُ باستعمالِهِ فقط فى الركوبِ فاستعمَلَه فى نقل الحجارةِ، فإنه لا يجوزُ. وكذلك يحرُمُ أن يزيدَ على المدةِ المأذون له فيها فإن قال المُعِيرُ: "استعملْ هذا الغرض لمدةِ شهرٍ" فيحرم على المستعير استعمالُهُ زيادةً على هذه المدة. وكذلك يحرُمُ عليه إعارَتُهُ لغيرِه بلا إذنٍ من المالِكِ.
قال المؤلف رحمه الله: وتحجيرُ المباح كالمرعى، والاحتطابِ من الموات، والملحِ من معدِنه والنقدينِ وغيرِهِمَا أى أن يَسْتَبِدَّ بهذه الأشياءِ ويَمنَعَ الناسَ من رَعْىِ مواشيهم، والماءِ للشربِ من المُسْتَخْلَفِ وهو الذى إذا أُخِذَ منه شىءٌ يخلُفه غيره.
الشرح: أن من معاصى البدن تحجيرَ المباح أى منعَ الناسِ من الأشياءِ المباحةِ لهم على العموم والخصوص. كأن يمنعَ الناسَ عن أن يرعَوْا مواشيَهُم فى أرضٍ ليست مِلكاً لأحدٍ، أو أن يمنعَهُم من الاحتطاب أى أخذِ الحطبِ من هذه الأرض، أو يمنعَهُم من أخذِ الملحِ من معدِنِهِ المباحِ، أو يمنعَهُم من الشربِ من الماء المباحِ الذى إذا أخذ منه شىءٌ يخلُفُهُ غيرُه. ومثل هذا منْعُهم مِنِ الانتفاع بالنارِ التى اتقدت فى المباحِ من الحطبِ لحديثِ أبى داودَ وغيره: المسلمون شركاءُ فى ثلاثة: الماءِ والكلإ والنارِ .إهـ.
قال المؤلف رحمه الله: واستعمال اللُّقَطَةِ قبل التعريف بشروطه.
الشرح: أن الشخصَ إذا وجدَ لُقَطةً أى شيئاً ضاع من مالِكِهِ فى نحوِ الشارِعِ بحيثُ لا يُعرَفُ من هو مالكُهُ، لا يجوزُ لمن التقطَهُ أن يستعملَهُ قبلَ أن يتملكَهُ بشرطِهِ، وهو أن يعرّفه سنةً. فإذا فعل ذلك جاز له أن يتصرف فيه بعد ذلك بنيةِ أن يَغْرَمَ لصاحبِهِ إذا ظهر.
قال المؤلف رحمه الله: والجلوسُ مَعَ مشاهدةِ المنكرِ إذا لم يُعْذَر.
الشرح: أن من معاصى البدن الجلوسَ فى محلٍ فيه منكرٌ من المحرمات من غير أن يكون معذوراً فى جلوسِهِ فيهِ. فإن أمكَنَهُ أن يُغيّرَ هذا المنكر بنفسِهِ أو بغيرِهِ يفعَلُ، وإن لم يمكنه ذلك أنكر بقلبهِ .
قال المؤلف رحمه الله: والتطفُّلُ فى الولائمِ، وهو الدخولُ بغيرِ إِذْنٍ أو أَدخلُوهُ حَياءً.
الشرح: أن من معاصى البدنِ أن يَحضُرَ الولائم التى لم يُدْعَ إليها أو أُدْخِلَ إليها حياءً، لحديث ابن حبانَ: "لا يحِل لمسلمٍ أن يأخذ عصا أخيه بغير طيب نفسٍ منه".إهـ.
قال المؤلف رحمه الله: وعدمُ التسويةِ بين الزوجاتِ فى النفقةِ والمبيتِ. وأما التفضيلُ فى المحبةِ القلبيةِ والمَيْلِ فليس بمعصية.
الشرح: أن من معاصى البدن تركَ العدلِ بين الزوجات بأن يُرَجّـِحَ واحدةً أو أكثر من الزوجاتِ على غيرِها ظلماً فى النفقةِ أو المبيتِ. ولا يجب عليه أن يُسَوِّىَ بين الزوجاتِ فى المحبةِ القلبيةِ والجماعِ. فإذا أدى الزوج النفقة الواجبة عليه للجميعِ وقَسَم المبيتَ بينهن بالعدل، فليس عليه أن يسوّى بينهن فيما وراء ذلك.
قال المؤلف رحمه الله: وخروجُ المرأة إن كانت تمرُّ على الرجال الأجانب بقصدِ التعرُضِ لهم.
الشرح: أن من معاصى البدن خروجَ المرأةِ من بيتِها لِتَفْتِنَ الرجالَ الأجانب متزينةً كانت أم لا ومتعطرةً أم لا. وأما إذا خرجت متزينةً أو متعطرةً مع ستر ما يجبُ عليها سترُهُ من بدنها من غير قصدِ الفتنةِ فلا يحرُمُ ذلك، وإن كان هذا الفعلُ مكروهاً كراهةً تنزيهية. وأما حديثُ "أيُّما امرأة خرجت من بيتها متعطرةً فمرتْ بقوم ليجدوا ريحها فهى زانية"، فمعناهُ أنها إذا قصدت بخروجها فتنةَ الرجال الأجانب فإنها تكونُ شبيهةً بالزانيةِ لأن فعلها هذا مقدِّمةٌ للزنى. فإن لم تكن نيتُها ذلك فلا حُرمةَ فى خروجها متطيبةً، وإنما فعلُها مكروهٌ.
قال المؤلف رحمه الله: والسحرُ.
الشرح: أن من معاصى البدن السحرَ بأنواعِهِ، فمنه ما هو كفرٌ ومنه ما لا يصلُ إلى حدِّ الكفرِ. لكنه كبيرةٌ على كل حال، كما صح ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فى حديث الترمذىِّ وغيره.
قال المؤلف رحمه الله: والخروجُ عن طاعة الإمام، كالذين خرجوا على عَلِىٍّ فقاتلوه. قال البيهقىُّ: كل من قاتل عليًّا فهم بغاة.إهـ. وكذلك قال الشافعى قبله، ولو كان فيهم مَن هم مِنْ خيار الصحابة، لأن الولىَّ لا يستحيل عليه الذنب، ولو كان من الكبائر.
الشرح: أن من معاصى البدنِ الخروجَ عن طاعةِ الإمامِ لحديثِ مسلمٍ: "ليس أحد من الناس يخرج من السلطان شبراً فمات عليه إلاّ مات ميتة جاهلية". ولذلك نص الشافعى وغيره على أن كل من قاتل علياً فى خلافته فهو ءاثم. وما حصل من طلحةَ والزُّبيرِ رضى الله عنهما من حضورِهِما فى المعسكر المضادِّ لعلىٍّ فهو ذنبٌ تابا منه قبل موتِهِمَا، لأن الله كتب لهما السعادةَ والمنـزلةَ العاليةَ، فاقتضى ذلك أن لا يموتا وهما متلبسان بالمعصية.
قال المؤلف رحمه الله: والتولّـِى على يتيمٍ أو مسجدٍ أو لقضاءٍ أو نحوِ ذلك معَ علمِهِ بالعَجْزِ عن القيامِ بتلك الوظيفةِ.
الشرح: أن من معاصى البدن أن يتولى الشخصُ ولايةً من الولايات مع علمه من نفسِهِ بالعجزِ عن القيامِ بتلك الوظيفة على ما يجب عليه شرعاً. كما لو تولى على مال يتيمٍ أو على وقفٍ أو وظيفةٍ تتعلق بمسجدٍ معَ علمِهِ بالعَجزِ عن القيام بذلك. ويحرم عليه طلبُ ذلك العمل لنفسِهِ، وبالأَوْلى بذلُ مالٍ للحصول على تلك الوظيفة.
قال المؤلف رحمه الله: وإيواءُ الظالم، ومنعُه ممن يريد أخذَ الحق منه.
الشرح: أن من معاصى البدن إيواءَ الظالمِ للحيلولةِ بينَه وبين من يريدُ أخذ الحق منه لحديثِ مسلمٍ عن علىٍّ عن النبى صلى الله عليه وسلم وفيه: "لَعَنَ اللهُ مَنْ ءَاوَى مُحدِثاً". أى الجانِىَ الذى ظلم.
قال المؤلف رحمه الله: وترويعُ المسلمين.
الشرح: أن من معاصى البدن ترويعَ المسلم بنوعٍ من أنواع الترويعِ، كأن يشير إليه بحديدةٍ أو نحو ذلك.
قال المؤلف رحمه الله: وقطعُ الطريق. ويُحَدُّ بحسب جنايته إما بتعزير، أو بقطع يدٍ ورجلٍ من خِلافٍ إن لم يَقْتُلْ، أو بقتلٍ وصلبٍ أى إن قَتَلَ.**
الشرح: أن من معاصى البدن قطعَ الطريقِ على المؤمنين وذلك من الكبائرِ. فإذا جنى قاطع الطريقِ بإخافةِ السبيل فقط من غير أخذِ مالٍ ولا قَتْلٍ فعقوبتُهُ التعزير. وإن جنى بالإخافةِ وأخذ المالِ دون القتل فعقوبتُهُ أن تُقطَعَ يدُه اليمنى ورجلُه اليسرى. وإن كانت جنايته بأخذ المال والقتل فعقوبتُه بأن يقتلَ ثم يُصلَب. وإن كانت جنايتُه القتلَ بلا أخذِ مالٍ فعقوبتُه بأن يُقْتَلَ بلا صَلبٍ. ولا يسقُطُ هذا القتلُ بعفو وليّ المقتول.
قال المؤلف رحمه الله: ومنها عدمُ الوفاءِ بالنَّذرِ.
الشرح: أن من معاصى البدنِ تركَ الوفاء بالنذرِ، وذلك إذا كان المنذورُ قربةً غيرَ واجبةٍ. فلا ينعقد نذر القربة الواجبةِ، ولا نذرُ المعصيةِ، ولا النذرُ فى فعل مباح، أى ما يستوى فعلُهُ وتركُهُ.
قال المؤلف رحمه الله: والوِصَالُ فى الصوم، وهو أن يصومَ يومين فأكثر بلا تناول مُفطّـِرٍ.
الشرح: أن من معاصى البدن أن يصوم الشخص يومين فأكثر من غيرِ تناول مطعومٍ عمداً بلا عذر لِنَهْىِ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك.
قال المؤلف رحمه الله: وأخذُ مجلس غيره، أو زحمتُهُ المؤذيةُ، أو أخذُ نَوْبَتِهِ.
الشرح: أن من معاصى البدن أن يأخذ مجلس غيرِهِ إذا سبق ذلك الغيرُ إليه سواءٌ كان من شارعٍ أو غيرِهِ. فمن سَبقَ لمحلٍّ من المسجدِ لصلاةٍ فهو أحقُّ به حتى يفارقَهُ. فإن فارقه لعذرٍ كتجديد وضوءٍ ونوى العودةَ لم يبطُل حقه كما روى مسلمٌ فى الصحيح: "من قام من مجلسهِ ثم رَجَعَ إليه فهو أحقُّ به". ويحرم أيضاً أن يزاحمَ غيرَهُ مزاحمةً مؤذيةً لذلك الغيرِ، أو أن يأخذ نوبَتَهُ، كأن أراد قومٌ سَقْىَ أراضيهم من ماءٍ مباحٍ لا يتَّسعُ للكلِّ، ففى هذه الحال يُسقَى المُحْيَى أولاً فأول. ويحرُمُ على من وقع إحياؤه بعدَهُ أخذُ نَوْبَتِه بدون إذنه.

فائدة

بيان فى تمييز الكبائر


اعلم أن أهل الحق اتفقوا على أن الذنوبَ كبائرُ وصغائرُ لقول الله تعالى: {الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللّمَم إن ربّك واسع المغفرة} ولقوله صلى الله عليه وسلم فى الصحيح: "الصلوات الخمس كفارات لما بينهن ما لم تُغْشَ الكبائِر". ولم يثبت فى حديثٍ حصرُها بعددٍ معينٍ. روى عبد الرزاق فى تفسيره عن مَعْمَرٍ عن ابن طاوس عن أبيه قيل لابن عباس: كم الكبائر أهى سبعٌ؟ قال: هى إلى السبعين أقرب.إهـ. وقد عُرّفت الكبيرة بألفاظ متعددةٍ، ومن أحسن ما قيل فى ذلك: "كل ذنبٍ أُطْلِقَ عليه بنصِ كتابٍ أو سنةٍ أو إجماعٍ أنه كبيرةٌ أو عظيمٌ أو أُخبر فيه بشدة العقابِ أو عُلّـِقَ عليه الحدُّ وشُدّدَ النكيرُ عليه فهو كبيرة".
والفرق بين الكبيرة والصغيرة أن الصغيرة إذا فعلها الإنسان ثم فعل حسنة بعدها تُمْحَى الصغيرة. فإذا عمل ذنباً صغيراً ثم قال لا إله إلا الله بنية صحيحة أو بعد ذلك تصدق على الفقير بنية صحيحة أو صلى أو توضأ تمحى عنه تلك الصغيرة.
أما الكبيرة فلا يشترط أن تُمْحَى بذلك، فأحياناً تُغْفَرُ الكبيرةُ بحسنة يعملها الإنسان، وأحياناً لا تغفر بذلك حتى يتوب منها.
ومن الكبائر الكفر بالله تعالى وهو أكبرها.
وقد أوصل تاج الدين السبكى عدد الكبائر إلى خمس وثلاثين من غير أن يَدَّعِىَ أنه حصرها كلَّها. ونظَمها السيوطىُّ فى ثمانية أبيات من الشعر ليسهل حفظها فقال:

كَالقَتْلِ والزّنَى وَشُرْبِ الخَمْرِ
وَمُطلَقِ المُسْكِرِ ثُمَّ السّحْرِ

يعنى أن من الكبائر القتلَ والزنى وشربَ الخمر وشربَ أىِّ مسكرٍ والسحرَ.

والقذفِ واللواطِ ثم الفِطْرِ

يعنى أن يفطر فى رمضان من غير عذر، وأما القذف واللواط فقد مر بيانهما.


وَيَأْسِ رحمَةٍ وأَمْنِ المكْر

يعنى أن اليأسَ من رحمة الله والأمنَ من مكر الله كلاهما من الكبائر.

والغَصْبِ والسِّرْقَةِ والشَّهَادَةِ
بالزُّور والرِّشْوَةِ والقِيادَةِ

يعنى أن أَخْذَ مال مسلم ظلماً اعتماداً على القوة (أى الغصبَ) والسرقةَ (أى أخذ مال الغير من حرز مثله خفية) والشهادةَ بالزور والرشوة (أى المال الذى يُدْفَعُ لإبطال الحق أو لإحقاق باطل) والقيادةَ (أى جلب الزبائن للمومسات)، كل هذا من الكبائر.

مَنْعِ زَكَــاةٍ وَدِيَاثَةٍ فِـرَارْ
خِيَانَةٍ فِى الكَيْلِ والوَزنِ ظِهَارْ

يعنى أن منع الزكاة بعد الوجوب والتمكن من غير عذر، والدياثة (أى أن يسهل الزنى لأهله أو أن يَعلَم الزنى فى أهله ويسكت عليه وهو قادر أن يمنع ولا يمنع) والفرارَ من الزحف والخيانةَ فى الكيل أو الوزن والظهارَ (وهو أن يقول لامرأته أنت علىّ كظهر أمى) كلُّ هذا من الكبائر.

نَمِيمَةٍ كَتْمِ شهادةٍ يَمِينْ 
فَاجِرَةٍ عَلَى نَبِيّـِنَا يَمِينْ

معنى ذلك أن النميمة من الكبائر، وكَتْمَ الشهادة من الكبائر، واليمينَ الفاجرةَ (أى الحَلِفَ بالله كذباً) من الكبائر، ومعنى قوله "على نبينا يمين" أى يكذب أى أنّ الكذبَ على الرسول عليه السلام هو أيضاً من كبائر الذنوب.

وَسَبّ صَحْبِهِ وَضَرْبِ المُسْلِم
سِعَايَةٍ عِقّ وَقَطْعِ الرَّحِمِ

يعنى أن سبَّ الصحابة من الكبائر ومن سب كل الصحابة كفر أما من سب أحد أولياء الصحابة فسق، وضربَ المسلم بغير حق من الكبائر، والسعايةَ إلى الحاكم ليضر المسلم ظلماً أيضاً من الكبائر، وعقوق الوالدين من الكبائر، وقطعَ الرحم أى أن يترك زيارة رحمه أى أقاربه بحيث يُحِسُّونَ أنه جافاهم هذا أيضاً من الكبائر. 

حرَابَةٍ تَقْدِيمِهِ الصَّلاَةَ أَو
تأخيرِهَا وَمَالِ أَيْتَامٍ رَأَوا

معنى ذلك أن الحرابة أى قطع الطريق على المسلمين وتقديمَ الصلاة على وقتها أو تأخيرها بغير عذر إلى أن يخرج وقتها وأكلَ مال الأيتام كلُّ هذا من الكبائر.

وَأَكْلِ خِنْزِيرٍ وَمَيْتٍ وَالرّبَا
والغَلِّ أو صَغِيرةٍ قد وَاظَبَا

معناه أن أكل الخنزير من الكبائر، وأكلَ الميتة من الكبائر، وأكلَ الربا من الكبائر، والغَلَّ (وهو أن يأخذ من الغنيمة شيئاً لنفسه قبل أن تقسم القسمة الشرعية)، والإصرارَ على فعل المعصية الصغيرة حتى يَزيد عدد صغائره على عدد حسناته من كبائر الذنوب.
ومن الكبائر أيضاً إهمالُ تعلم الفرض العينىّ من علم الدين ولو كان يؤدى صُوَرَ الأعمال. فإذا لم يتعلم أركان الوضوء وأركان الصلاة وشروط الوضوء وما شابه ذلك من الأمور التى يحتاجها كل مسلم فهو ءاثم إثماً كبيراً ولو كان يؤدى صورة الوضوء وصورة الصلاة و نَحْوَ ذلك.
ومن الكبائر تشبُّهُ النساء بالرجال وتشبُّهُ الرجال بالنساء وقد مر. وكذلك نشوز الزوجة أى خروجها من بيت زوجها بغير إذنه، وكذا لو ءاذته بطلب الطلاق منه من غير عذر.
ومن الكبائر أيضاً ترقيق الحاجب لأجل الحُسْن، أى الأخذُ من شعر الحاجب نفسِه ليس مما هو حوله لأجل ترقيقه لأجل الحسن فهو أيضاً من الكبائر. ومثل ذلك الوشم، ووصل الشعر بشعر ءادمى ءاخر. وَيَحْسُنُ عَدُّ الجماعِ للحائض من الكبائر.