• Narrow screen resolution
  • Wide screen resolution
  • Wide screen resolution
  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size
  • default color
  • red color
  • yellow color
  • orange color
الرد الأشعري النفيس على من استدلّ بحديث الجارية لإثبات المكان لله والعياذ بالله تعالى PDF Print Email
Written by Administrator   
Sunday, 29 January 2017 18:18


الرد الأشعري النفيس على من استدلّ بحديث الجارية لإثبات المكان لله والعياذ بالله تعالى (الرد رقم 37).‏

الحمد لله وبعد، فأما رواية مسلم المطبوعة وفيها لفظ منسوب إلى النبيّ يسأل جارية ‏‏"أين الله؟" قالت "في السماء"، فهو عند من أثبت ‏هذه الرواية على اضطرابها، على ‏معنى السؤال عن المكانة وعلوّ الشرف لا عن المكان والحيز والجهة، لأن علوّ ‏المكان لا يلزم منه ‏علوّ الرتبة، والعرب تعرف العلوّ بمعنى الاستعلاء والقهر كما في ‏سورة القصص: "إِنَّ فِرعَونَ عَلا فِي الأَرضِ" ، فعند من رووه هو ‏على معنى علوّ ‏الرتبة والشرف كما قال القرطبي والمازري وأبو حيان ‏الأندلسي والنووي والقاضي عياض وقالا إن الاجماع منعقد ‏على منع حمله على ظاهره.‏ قال ابن العربي المعافري المالكي: "أما المكان فلا نقول به لأنه محال على الله".‏

على أننا نقول إن الرواية الصحيحة ما رواه الحافظ عبد الرزاق الصنعاني وأحمد ‏ومالك وغيرهم أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال أتشهدين أن لا إله إلا ‏الله؟، قالت نعم، قال أتشهدين أن ‏محمداً رسول الله؟، قالت نعم.. إلى آخر الرواية.‏

ثم لو أراد مسلم الاحتجاج بلفظ "أين الله" في العقائد لذكر تلك الرواية في أول كتابه ‏حين ذكر أحاديث العقائد في كتاب الإيمان، ولم يكن ‏ليؤخرها إلى كتاب المساجد، دلّ ‏ذلك على أن حديث الجارية لا يرقى إلى ما يُحتج به في العقيدة فلا هو متواتر ولا هو ‏مشهور ولا هو ‏متفق على رواته، فعند مالك في بعض روايات الموطأ هو عن عمر ‏بن الحكم، وعند غيره هو عن معاوية بن الحكم. قال عدد من ‏العلماء لا يوجد في الصحابة من اسمه عمر بن الحكم.‏

ثم ما هو موجود في إحدى نسخ مسلم المتداولة من لفظ منسوب إلى النبيّ ‏وفيه أنه سأل جارية "أين الله" فأجابت "في السماء"، وفي ‏رواية للبيهقي "فأشارت ‏إلى السماء"، وفي رواية له أنها كانت "أعجمية" خرساء، وفي رواية قال صلى الله ‏عليه وسلم لها: من ربك، ‏قالت: الله؛ قال فيه الحافظ أحمد بن الحسين البيهقي في ‏سننه: "أخرجه مسلم في الصحيح من حديث الأوزاعي من دون حديث ‏الجارية"،‎ ‎‎ومعلوم أن الإمام الأوزاعي أعلى قدراً وأوثق حفظاً وفقهاً من مسلم وكلّ ‏أقرانه، فما كان الأوزاعي ليترك تلك الرواية لولا أنه رأى ‏فيها علة توجب ‏الإعراض عنها. ‏

ومثل الأوزاعي ترك البخاري تلك الرواية فلم يتعرض لها ولا لمعاوية بن الحكم في ‏صحيحه ألبتة، وإن ذكر من حديثه الذي رواه مسلم ‏في كتاب المساجد طرفاً في كتاب ‏خلق أفعال العباد وكرّر ذكره ثلاثاً في كتاب القراءة خلف الإمام، ولكن موافقاً رواية ‏الإمام الأوزاعي ‏في مسلم التي اطلع عليها البيهقي، أي خالية رواياته من أي ذكر ‏لحديث الجارية.‏

وقال البيهقي في الأسماء والصفات: "قد أخرجه مسلم مقطعاً من حديث الأوزاعي ‏وحجاج الصواف عن يحيى بن أبي كثير دون قصة ‏الجارية، وأظنه إنما تركها من ‏الحديث لاختلاف الرواة في لفظه"، ا.ه فانظر إلى نص البيهقي وهو من كبار الحفاظ ‏على أن نسخة مسلم ‏التي كانت متداولة في وقته بين أهل الحديث كانت خالية من ‏قصة الجارية، ونصّه على الاضطراب في لفظها وأن ذلك سبب ترك مسلم ‏لها ‏في النسخة التي كانت لديه برواية عالية الإسناد حافظاً عن حافظ.‏

وقد شهد بذلك الاضطراب كبار الحفاظ الذين أحصوا طرقه وعرفوا مخارجه أمثال ‏الحافظ ابن حجر العسقلاني الذي ذكره في تلخيص ‏الحبير برواياته ومنها لفظ "أين ‏الله" (ج3 ص 223) ونص على أن "طرقه مختلفة"، وهو ما أشار إليه البيهقي في ‏سننه وفي كتاب ‏الأسماء والصفات.‏

فلو وجد ابن حجر أن رواية مسلم تعطي جواز نسبة الأين إلى الله تعالى لم ينقل في ‏شرحه على البخاري عن القرطبي قوله "فلا يتوجه ‏على حكمه تعالى لم ولا وكيف، كما ‏لا يتوجه عليه فى وجوده أين"، فانظر كيف ينفي علماء الحديث والأثر "الأين" عن ‏الله تعالى، ولو ‏ثبتت تلك اللفظة في الحديث لقالوا بها ولم ينفوها، إذ الراد للحديث ‏الثابت برأيه وهواه من غير برهان ولا حجة على خطر في دينه، ‏وكذا من أثبت لله ‏ما لا يجوز عليه تعالى مما هو من صفات المخلوقين على خطر في دينه لأنه عابد ‏لغير الله تعالى، نعوذ بالله من كلتا ‏الحالتين.‏

ومن ذلك الفساد أخذ بعض أولئك المجسمة بظاهر الحديث المعروف بحديث الجارية في أن ‏الله تعالى عما يقولون في السماء بذاته، ‏ويكفي لردّ كلامهم حديث "أقربُ ما يكون ‏العبدُ من ربّه وهو ساجدٌ فأكثروا الدعاء" رواه مسلم والنسائي وأبو داود وأحمد ‏والبيهقي وهو ‏أجود إسناداً من تلك الرواية عند مسلم لحديث الجارية، وهذا من نفائس ‏الاسلام إذ كيف يمكن الجمع بين الحديثين لمن يتمسك ‏بظاهريهما؟ فلا بد إذن من ‏اللجوء إلى التأويل على ما تعرف العرب وقرّره السلف كأبي حنيفة من القرب ‏المعنوي لتنزه الله عن مشابهة ‏المخلوقات.‏

ثم أيها الموحد إن استدلّ عليك مشبه مجسم  يعتقد في الله التحيز والمكان والجهة ‏بحديث الجارية المضطرب وفيه لفظ "أين الله، قالت في ‏السماء"، تردّه إلى الأصل ‏وهو القرآن الكريم وفيه قوله تعالى "ليس كمثله شىء" وهذه الآية تنفي المكان وسائر صفات المخلوقات عن ‏الله تعالى. ‏

وفي سورة العلق الآية 19: "كلا لا تطعه واسجد ‏واقترب"، قال الإمام أبو منصور الماتريدي وهو من أئمة السلف الصالح: "قوله ‏تعالى ‏‏"واسجد واقترب" أي صلّ واقترب إلى الله..، وعلى التأويل الظاهر الآية حجة ‏لنا على أهل التشبيه، فإنه لم يفهم من قوله "واقترب" ‏القرب من حيث المكان وقرب ‏الذات، ولكن قرب المنزلة والقدر. وكذلك ما ذكر في بعض الأخبار (الأحاديث) "من تقرّب إليّ ‏شبراً ‏تقربت إليه ذراعاً" ونحو ذلك، لا يُفهم منه قرب الذات ولكن قرب المنزلة والقدر ‏بالإجابة، وكذلك جميع ما ذكر في القرآن من القرب ‏‏(فهو) قرب المنزلة والقدر.اهـ.‏